12
مايو
2011
الحــــضــــرة ..مفهــــــومها و تجليـــــــاتها في السمـــــاع الصـــــــوفي
AddThis Social Bookmark Button

 

sofi_dar9awi

ذ . نور الدين الدرقاوي الصوفي


" ما ظهر كون قط علوي و لا سفلي إلا و هو دليل أو مثال على حضرة ربانية ، و نور معرفة خفية "   ( 1 )

لم يزل التناول المصطلحي لألفاظ التصوف يستأثر باهتمام الدارسين العرب و الأجانب منذ تمّ التنبيه على أهمية هذا التناول و دوره في إغناء الدراسات الصوفية عموما ، و الكشف عن القيمة المحورية لدراسة هذه الألفاظ وفق نماذج تحليلية توضح أدوارها في مختلف البنى النصية و السياقات التاريخية التي تحضر فيها ( 2 ) .

و يعتبر مصطلح " الحضرة " من أكثرالألفاظ التي تروج في أدبيات التصوف الإسلامي..و من أغناها بالمعاني والدلالات  . فعلى طريق الوصول إلى الله ، أقام الصوفية بناء سامقا من التعاليم و التآليف و التقاليد..و اصطنعوا نسقا من المعرفة الوجدانية المرتكزة على كل من الخُلُق / التجربة في بعديهما الديني لتأكيد المطلق ، أي الوجود الحق..وجود الواحد الذي يفيض نور إيجاده على كل الموجودات..إنها علاقة وثيقة إذن بين المطلق و النسبي..بين الواجب و الممكن..مظهرها الأجلى إمداد الحق للخلق..و " حضور " الخلق مع الحق..

 

و قد تحمّل مصطلح " الحضرة " بعض الكثافة المفهومية طول رحلته الدلالية من اللغة إلى الاصطلاح الفني الصوفي ، فالمعجميون يرون في كلمة " الحضرة " تعبيرا عن كل من معنى الحضور و مكان الحضور..فقد نقل مرتضى الزبيدي عن شيخه محمد بن الطيب الفاسي أن " أصل الحضرة مصدر بمعنى الحضور كما صرّحوا به ثم تجوّزوا به تجوّزا مشهورا إلى مكان الحضور نفسه " ( 3 ) فالحضرة إذن ضد الغيبة / و المحاضرة المشاهدة / و المحضر المشهد / ...و تتناسل التفريعات الدلالية لتشكل المادة الخصبة للتوظيف الصوفي القائم على المجاز و لتصبح  الحضرة كناية عن " شهود مخصوص ، فالعبد ما دام يشهد أنه بين يدي الله و الحق تعالى يراه فهو في حضرته ، فإن حجب عن الشهود فقد خرج من الحضرة و لو كان في جوف الكعبة " ( 4 ) .

بالمعنى المشار إليه يتأسس مفهوم " الحضرة " وفقا لمستويين شديدي التعالق و الترابط أحدهما عام و الآخر خاص..

الدلالة الخاصة " للحضرة " :

و هي التي تعبر عن موقف شعوري ذاتي و خبرة خاصة بالمريد أو السالك..في طريقه إلى الله حين يتحقق " شهود العبد أنه بين يدي الله تعالى " ( 5 ) بما يقتضيه ذلك من دلالات الأنس و القرب و الشوق..و هي دلالات لا علاقة لها بالتعليل المكاني ، بل بالبعد الأخلاقي الذي ينشأ من تأدية أوامر الله ، و هو ضد البعد عن الله الذي تسببه معصية البشر..وقد رفض بعض الصوفية مقام الشوق بدعوى أن المرء يشتاق إلى غائب بينما الله لا يغيب أبدا..في حين افتخر آخرون بشوقهم خلافا لمن قال بعدم ضرورة هذا

المقام أو حتى عدم جوازه ، لأن المحب الصادق يعيش مع الله الذي هو أقرب إليه من حبل الوريد..أما  طائفة من أهل التصوف فرأت أن الشوق لا نهاية له لأن الحبيب لا حدود له..


الدلالة العامة " للحضرة " :

و هي بخلاف الدلالة السابقة أكثر تعقيدا لارتباطها على الخصوص بالذات العلية و بالتصورات العقدية التي حددتها أصول الدين النقلية و العقلية ..و في هذا الإطار يعرّف ابن عربي " الحضرة " بأنها " في عرف القوم : الذات و الصفات و الأفعال " ( 6 ) و ينتج عن هذا التعريف أن عدد الحضرات في الكون لا ينحصر البتّة..إذ الحقائق لا تنحصر..و هكذا فإن لكل اسم من الاسماء الالهية حضرة مؤلفة من الاسم الإلهي ( الحاكم – المهيمن – الرحيم – الودود...) مع جميع تجلياته في كل العوالم ..و يصبح من وكد المتصوفين امتلاك هذه الصفات وتمثلها و التحقق بها..على تفاوت فيما بينهم في درجات ذلك .

بهذا الاعتبار تصبح كل حضرة كناية عن نسبة معينة بين الحق و الخلق ن من حيث أن العبد" يحضر" فيها مع الحق تعالى من هذه النسبة..و يعطي ابن عربي نماذج عدة لهذه الحضرات : حضرة السمع – حضرة الفتح – حضرة البارئية – حضرة البسط – حضرة القهر – حضرة الوهب – حضرة الارزاق – حضرة التصوير...

غير أن كل تلك الحضرات ترجع في أصلها الوجودي إلى حضرة واحدة هي الحضرة الالهية أي اسم الجلالة " الله " و هذه الحضرة هي " معشش قلوب العارفين..إليها يأوون أي يرجعون بعد الطيران إلى فضاء الملكوت و أسرار الجبروت ، و فيها يسكنون ، و لا يخرجون منها أبدا..و محلها في أعلى عليين و هو عرش قلوب العارفين.. " ( 7 )

و الحقيقة أن أغلب تعاريف الصوفية لكلمة " الحضرة " تتأرجح بين الدلالتين الخاصة و العامة بل يتسع الاستعمال أحيانا ليشمل كل الفهوم و المعارف و أصناف المعاني و الإلهامات و اللمع و  الأذواق التي لا يفي بالتعبير عنها لسان أو قلم..إذ في جنس منها نسبة ما إلى حضرة من الحضرات التي لا تنحصر بعدد..و إن كان منها كل مدد

الحضرة في الاستعمال الطرقي :

ما أشرنا إليه سابقا يكاد يتأطر في المستوى النظري للتصوف..غير أن مفهوم الحضرة وجد سبيله إلى نوع آخر من الممارسة الصوفية في أدبيات " الزاوية " المغربية..و لئن ضاقت فسحة البحث عن تحديد مفهوم ضابط لدلالات " الزاوية " فإنها في أبسط تعريف عبارة عن كيان ديني و اجتماعي اضطلع بأدوار سياسية جهادية في تشكله الأول ثم تمحض بعد ذلك لوظائف تعبدية و تعليمية و تربوية و إرفاقية...

و لعل من نافلة القول التأكيد على كون التصوف أحد المقومات التي ارتكز إليها المغرب في تاريخه المجتمعي الديني و الروحي و الثقافي باعتبار تلك النزعة التي غدت تراهن على " تصويف " المجتمع المغربي منذ القرنين الهجريين الأول و الثاني ( 8 ) مع ما تقتضيه تلك النزعة من إدخال التصوف في

مجال سيرورة تأطير المجتمع من خلال الجمع بين الشريعة و الحقيقة ( الفقه و التصوف ) لخلق منهج خاص في التربية و التزكية و السلوك..

من هنا نفهم الدور المركزي للزاوية باعتبارها الوسيط النموذجي بين النظرية و التطبيق أي بين التصوف النظري بغاياته و مفاهيمه و مصطلحاته ، و العمل السلوكي الذي تم تحديده من لدن شيوخ التصوف الكبار على اختلاف طرقهم و مشاربهم الروحية..

و لعل من اليسير التنبه إلى الدور العظيم الذي تكفل به هؤلاء الشيوخ – و أغلبهم علماء - في إعادة قراءة الموروث الصوفي النظري سواء في المشرق أو في الغرب الإسلامي باعتماد الأسس التربوية و

السلوكية لهذا الموروث و اطراح جوانبه المستغلقة أو الخلافية ، حيث نسجل هنا ابتعاد التصوف الطرقي المغربي عن لغة الأحوال و المقامات و نبذ كل التأثيرات الإشراقية و الدعوات الحلولية و الاتحادية.

هكذا غدت الطريقة وسيلة تؤدي لمعرفة الله تعالى بضمان شيخ للتربية و بمقومات روحية ثلاثة هي الورد و الذكر و الحزب :

الورد : و هو تركة الشيخ الذي يكشف للمريدين الجدد الطريق الصعب للكمال

الذكر و هو عبارة عن صلوات تتضمن لائحة طويلة من الابتهالات و الدعوات

الحزب و هو نوع من الصلاة الإضافية الزائدة عن الواجب و تكون مخصصة للقراءة..

إن التطبيق الجيد لهذه المقومات الروحية حسب معتقديها يؤدي بالمريد و يقوده إلى الاتحاد بالله و هو هدف كل متصوف . و بغض النظر عما يمكن أن نجده من اختلاف بين هذه الطريقة أو تلك فإن كل الطرق الصوفية اعتمدت مفهوم الحضرة بدلالات جديدة تتناسب مع الغاية الوظيفية السلوكية و التربوية التي قصد إليها الشيوخ قصدا و هكذا أصبحت الحضرة “ مجموعة من طقوس المريدين يكون على رأسها شيخ عارف بالطريقة ، يقود الحفل و ينبه على كل ما من شأنه أن يشوش إمكان الوصول إلى لحظة الصفاء العلوية ، و تسمى هذه عادة حضرة السلوك و أنشطتها تختلف بين اليومي و الأسبوعي حيث يخصص بعضها للمريدين الراغبين في العلم و الدرس و يعقد بعضها للذكر..

و للسماع المكانة الكبرى في الأدبيات الصوفية للزوايا المغرب كالوزانية و الريسونية و الدرقاوية... و يتضمن هذا السماع إنشادا لبعض القصائد الصوفية كتربية للوجدان من خلال اللحن الجميل المؤثر الذي يشجي القلوب و يريح النفوس..و يبدو أن القرنين الثاني و الثالث قد عرفا تقعيدا لهذا النشاط بغض النظر عن صراع التأويلات التي حفت به..فأبو طالب المكي مثلا اشترط في القوال- و هو منشد الشعر الصوفي وسط حلقة المريدين – أن يكون شيخ الجماعة فهو الذي يمدهم و ينشد لهم من درر الشعر ما يناسب حالهم و تقوى به قلوبهم على السير إلى المقامات العلية..  و غالبا ما تكون الأشعار مقطوعات من الغزل و المحبة و الخمر و السكر..إلا أن الصوفية كانوا يحملون تلك المعاني على ما في قلوبهم من أحوال واردة و خواطر سانحة..و يرى عبد الوهاب الشعراني في لطائف المنن أن هذه المفهومات المعنوية الخارجة عن الفهم الظاهر ليست بإحالة اللفظ عن مفهومه ، بل هو فهم زائد على الفهم العام يهبه الله لهذه الطائفة من أرباب القلوب..

هكذا أصبحت الحضرة مقترنة بتلك المسلكيات التي يستدعى فيها الفن ، و القصد به هنا فن السماع ، و ما يرتبط به من ألحان شجية و تحريك للبد ن بطريقة منتظمة و بإيقاعات متفاوتة..قصد استجلاب جملة من الأحوال و المشاعر..و إن كان بعض شيوخ التربية كمولاي العربي الدرقاوي ينقل عن أحد شيوخه التأكيد على مركزية العلم و المذاكرة به حين يقول “ الناس خمرتهم في الحضرة ، و خمرتنا نحن في الحضرة “  9  .

و يقدم لنا الفقيه العلامة سيدي احمد بن الخياط الزكاري صورة لحلقة الذكر أو الحضرة الدرقاوية كما

شاعت في أغلب المدن و القرى و المداشر و الخيام في المساجد و الزوايا و الديار ليلا و نهارا “حيث الجهر بالقيام و القعود ، و الإجلال و التعظيم ، جماعة بلسان واحد ميلة واحدة ، بالإشباع و التوسط ، و القصر في الهيللة ، و اسم الجلالة باللسان و الصدر على حسب المراتب ، و تشبيك الأيدي في القيام و في الجلوس كهيئة التشهد ، إلى غير ذلك من آدابها ، و إنشاد الأبيات بالمعاني الرقيقة ، و تغزلات الحقيقة ، التي اصطلح الصوفية رضي الله عنهم عليها “  10  في هذه الطقوس الروحية التي تجمع بين الحسّين الجلالي و الجمالي يتداول القوّال أو النفّاق بالتعبير الحالي  شعر الحضرة بالنظم و الإيقاع في إطار بعد عرفاني تتشح به التلاحين التي زادها عبق التاريخ و أريخ الاستعادة في حنايا الزوايا روعة و بهاء..

نظرة في شعر الحضرة :

نؤكد بداءة أن العلاقة وثيقة بين شعر “ الحضرة “ و مفهومها النظري عند كبار الصوفية باعتبار أن أشعار السماع هي في حقيقتها تظهير و ترجمة لما تم التعبير عنه نظريا عن الحضرة..و هذا معنى طريف إذ يصبح كل من النظرية و التمثيل الشعري هما طرفا حلقة واحدة عامها خاصها و بدايتها نهايتها..و إذا كنا أشرنا فيما قبل إلى المقومات الروحية التي حكمت التصوف الطرقي و صاغت تعبيراته السلوكية و التكوينية ....فإن باستطاعتنا نمذجة هذه المسلكيات وفق الأطر المرحلية التالية  :

لوائح / شريعة

وجد / علم اليقين / محاضرة..

عمل الفروض/ المذاكرة في العلم

الفناء في الرسول

الظاهر

لوامع / طريقة

تواجد / عين اليقين / مكاشفة..

الورد

الفناء في الشيخ

الوسط

طوالع / حقيقة

وجود / حق اليقين / مشاهدة..

الحضرة و السماع

الفناء في الله

الباطن

من هنا تصبح حضرة السماع ، و هي مناط لقاء اليوم ، موئلا للحظة النهاية في معراج السالك و انتقاله بين المراتب الثلاث المشار إليها و يكون الشعرالمردد تحقيقا للمعاني العلمية و العملية .

و لعل توظيف شعراء ذوي مشارب صوفية مختلفة يؤكد دور الزوايا في صهر الموروث الأدبي في بوتقة واحدة تزول فيها الفوارق.....هكذا تتساكن أزجال الششتري بشعر اليوسي و قصائد أبي مدين بتواشيح و أدوار عبد الغني النابلسي و خمريات عمر ابن الفارض بتغزلات سيدي محمد الحراق الحسني...هذا و إني سأعرض أمام حضراتكم جملة من النصوص الصوفية التي تتخذ من موضوعة الحضرة مدارها الدلالي و بؤرتها التعبيرية ، متنكبا عن أغراض أخرى ليست من شرطنا في هذه الكلمة..

و أبادر إلى القول بأن توظيف مصطلح الحضرة بالدلالات المشار إليها سابقا يكاد يجد طريقه إلى الشعر الصوفي في مجال السماع منذ القرون السادس و السابع و الثامن للهجرة ، حيث تضمن المصطلح التعبير عن تجربة الشاعر و معاناته الذاتية في الوصول إلى الله و التحقق به ، حتى إذا تم ذلك كانت الحضرة مجلى للقاء و معرضا........هكذا نستحضر أشعار أبي الحسن الششتري ( ت 668 ه)    الذي أولى الحضرة فسحة كبيرة في إبداعه ، و أول ما يثيرنا هنا تنصيصه على أن الفناء في الحضرة لا يتحقق إلا لمن فني عن السوى و تجرد عن الأغيار

ذي الحضرة ما هي تفتح           لكل من نقر

إلا من جاء عارف                  بالأصل و الخبر

و عين قلبي شاخص                لشمس ذا النهر

ذم تكون فاني                       في الحضرة يا فلان

ما تنطق الأواني                    إلا بما سكن

و عن الحضرة و تداعيات الحضور الإلهي بقول :

تدخل حضرة صفائي              جوار الحبيب

الله  الله معي حاضر                في قلبي لا يغيب

و هي بهذه المعاني حضرة الأحدية المتفردة :

سقاني من هويت خمرا                 بها الله قد رفع شأني

و أطلعني على حضرة                  ما لها في الوجود ثاني

و يبدو أن الششتري كان شديد الوعي بأن الحضرة و إن كانت تجربة ذاتية صرفة لدى المريد السالك فإن هذا المريد يبقى في حاجة لشيخ السلوك الذي.........

أطلب لشيخك كويس                   يسقيك خمرا رقيقه

و كن في شربك كويس                 تصل بها للحقيقه

تحضر في صدر المحاضر            مع كل مبرور موافق

و إن طلبت الإعاده                     أدنو لهذا و رافق

و لعل ما يثيرنا هنا هو رمزية الخمر التي تم استدعاؤها هنا للدلالة على تلك المواجد و الحالات التي تنساب في أعماق الصوفي ، و الحقيقة أن نعجم التصوف بما يتضمنه من مصطلحات السكر – الصحو – النديم – الشرب – الكأس...تؤكد قيمة الرمز الخمري كما تفسر شيوع دلالاته...يقول أبو مدين الغوث  ت

دارت علينا كؤوس                        في حضرة المحبوب

و أهل المعاني جلوس                     و من دخل يشرب

و لا تطيب النفوس                        إلا  لمن   يقرب

و في مقطع آخر ينصرف فيه الخطاب إلى جماعة الفقراء ، و هي الفئة التي حظيت باهتمام كبير من لدن أبي مدين و أشير هنا فقط إلى قصيدته الرائعة ، ما لذة العيش..،

يا معشر الفقرا                          طبيبي حكيم

اطلعني على حضرة                   كان لي نديم

سقاني مزيد خمره                     من خمر قديم

و على اعتبار أن السكر يستلزم صحوا ن فإن التمييز قائم بين صحو قبل السكر و صحو بعده ، أما الذي قبل السكر فإنه تفرقة محضة ، و هو ليس من الأحوال الصوفية و أما الذي بعده فيسمى الصحو الثاني أو صحو الجمع ، و بهذا المعنى أي الرجوع إلى الوحدة يقول أبو مدين :

غرست في حضرتي                  شجرة التوحيد

الأصل في قبضتي                    و الفرع صار يزيد

إنها بهذا الاعتبار حضرة القداسة السامية و عنوان التنزيه......

يا لها من مجالي                    حضرة قدوسيا

يبدو لي فيها سري                 فقولوا لي هنيا

و بمعاني السمو و الصفاء تنساب أشعار السماع لتعلي من شأن الحضرة و تجعلها مجال مخصوصا على من تحقق بالمعرفة الصوفية فجمع بين الاصل الحدسي و الخبر النقلي...فصح له الكشف الحجب بتجلي المحبوب..و هكذا يزيد الصوفي المغربية سيدي محمد الحراق الحسني من تنويع دلالات الحضرة فيتجاوز بها أحيانا الرمز الخمري ليقصرها على التودد للذات العلية التي تعالت عن الأبصار و إن فاضت أنوار وجودها.....

يا من بغى وصال حبيبو                        افن تشوف نور الحضرا

و ارقا على الأكوان تصيبو                    يغنيك عنهم  بنظرا

من كان ذا الحبيب نصيبو                       من كل باس حالو يبرا

ثم يتفنن في الكشف عن معاني الوصال و الاتصال بالمحبوب ، بتلويحات تبدو من حيث بناؤها الخارجي ذات سمة حسية خالصة – و إن تجاوزت لغة الجسد -  لكنها تتجاوز المحسوس في حركة دائبة صوب المعاني العشقية بوصفها تجليات ينكشف فيها الحب الالهي في شموله و تجرده يقول :

لاين مقصودك                           فالذي يبقا فالحضرا معاك

زاهي بوصولك                          لا  غنا  دايم  والع  بيك

و للإشارة فهذا قسم من زجليته الشهيرة كلي فوجودك التي نظمها سيدي محمد الحراق على قياس رائعة سيدي قدور العلمي مزين وصولك..و هي قصيدة لا نخطئ فيها الحس الصوفي أسوة بغيرها من أشعار

العلمي ، غير أن كل تلك الإشارات الخمرية و التغزلية تنحل في النهاية لتؤول حنينا دافقا إلى العرف الأقدس و النفس الرحماني الذي يتخلل الوجود و يسري في أعيانه :

من لي من أحداق                            ذوابل   الأجفان

قلبي لها إحداق                                في حضرة الرحمن

و هكذا فلا عجب إن أضاءت بنور هذه الحضرة الأكوان و استنارت جميع العوالم.....

هذه الحضرة منورة                     منها سر الله بان باعلامو ظاهر

كاع مواليها مخمرا                       شدو الكاس و دوروه في كل محاضر

أمن نفس غير خاسرا                     كان انت شكّيت زد و رواح تباشر

سلم يا من شاف ما جرا                   هذا سر الله بان باعلامو شاهر

سلم يا من شاف و اشتفى           قصر يكفى             كان نتا خاطي طرقنا عقلك تالف

أجي تنظر حضرة الصفا            و ارجع خطفا          و اذا عجبك حالنا تولي و توالف

ما زال القنديل ما اطفا               ذ الوقت عفا             و تركب بعقولنا على راس الشايف

و لا يفوتني هنا التنبيه على الدور الذي ما زال يقوم به بعض الفنانين الذين نهلوا من المشرب

الصوفي..ثم صدروا عنه في نظم و تلحين بعض نصوص الحضرة الصوفية..و أشير بالخصوص إلى عميد السماع بالمغرب سيدي عبد اللطيف بنمنصور رحمه الله و هو صاحب اليد الطولى في هذا الفن و لعل زجلية التاستاوتي السابقة من بين ما أحيى سيدي عبد اللطيف رسمه من الأدوار التي فقدت في أداء الزوايا الآن..


الهوامش

( 1 ) من أقوال الشيخ داود الكبير ..الطبقات الكبرى للشعراني دار الفكر ج 1 ص 191 .

essais sur les origines du lexique technique de    ( 2 )انظر مقدمة كتاب :        mystique musulmane de louis massignon..librerie orientale parie 1922                        ( 3 ) تاج العروس من شرح القاموس للشيخ مرتضى الزبيدي..المطبعة الخيرية بمصر الطبعة الأولى سنة 1306 ه / ج 3 ص 146 .

( 4 ) مخطوطة : الأجوبة المرضية عن الفقهاء و الصوفية للشيخ عبد الوهاب الشعراني ص 123 .

( 5 ) شرح الحكم العطائية لعبد المجيد الشرنوبي ص 23

( 6 )  الفتوحات المكية لمحيي الدين ابن عربي دار صادر ج 4 ص 407

( 7 )  إيقاظ الهمم لابن عجيبة ج 1 ص 380

( 8 ) عن طلائع الصلاح و الولاية بالمغرب راجع مقال الشيخ عبد الحي الكتاني : أشرف بقعة و أقدس بناحية مراكش..مجلة المغرب السنة الخامسة  يونيو 1936 ص 1 .

( 9 )  مجموعة رسائل مولاي العربي الدرقاوي..  المجمع الثقافي بأبو ظبي 1999 ص 186

(10 )  نفسه ص 55 .

تم التحديث فى ( الاثنين, 23 مايو 2011 23:44 )
 

Comments  

 
0 #1 2012-01-20 20:03
tbarklah 3lik ya ostadi l3aziz
Quote
 

Add comment

للموقع كامل الصلاحية بتعديل إضافة أو إزالة محتويات التعليقات.

Name (required)

E-mail (required)

Website


Security code
Refresh

للإتصال بنا

أرقام الهاتف 0662011169/0663659090/0535270553/0600032921

البريد الإلكتروني